محمد أبو زهرة

2144

زهرة التفاسير

الفساد الذين غلب عليهم الشر ، وبين سبحانه أن من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ، وأن من أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ، وأن صور الفساد الذي يبيح الدم صونا للجماعة ، وحفظا للحياة الهادئة المطمئنة - كثيرة ، ولكن أبلغها في الفساد ، وأبعدها في الشر مدى هو الانتقاض على الجماعة بارتكاب جرائم القتل والعدوان ، من غير تأويل ، والسرقة ، والاتفاق الجنائي على ذلك ؛ ولذلك ابتدأ بهذا سبحانه فقال تعالى : إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ هذا النص الكريم يبين جريمة كبيرة هي جماع لعدة جرائم ، وهي جريمة الذين يحاربون النظام القائم ويخرجون جماعات ذات قوة وشكيمة ويرتكبون جرائم القتل والنهب والسرقة ، لا في خفية بل في إعلان ، معتصمين بقوة مانعة لهم ، وقد اتفقوا جميعا على ارتكاب القتل والسرقة وتهديد الآمنين . وجريمة هؤلاء أقوى من جريمة القتل المجرد ؛ لأن جريمة القتل المجرد ، ليست في ذاتها تهديدا للأمن ، وإن كان إهمال عقوبتها يؤدى إلى تهديد الأمن ، أما هذه فإنها تهديد مباشر للأمن ، فالأولى اعتداء ابتداء على الأفراد ، أما هذه ، فهي اعتداء ابتداء على الجماعة ، لأنها تترصد السابلة في الطريق ، فتقطع عليهم السبيل . وقبل أن نخوض في بيان هذه الجرائم ، وكلام الفقهاء ، وأهل الخبرة في معناها ، ونذكر عقوبتها في ظل القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة ؛ نتكلم في معاني الألفاظ ، ونتكلم على ثلاث عبارات . . أولها - في قوله تعالى : إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ فقد كان التعبير ب « إنما » ، وهي من أوائل أدوات القصر والتخصيص ، وذكر هذه الكلمات في مقام بيان العقاب الذي سارع ببيانه سبحانه هو لتأكيد العقاب ، ولبيان أنه عقاب لا هوادة فيه ، وأنه لا يحل محل ذلك العقاب غيره من دية أو مال ، ولا يدخله عفو ، لأنه حد من حدود الله تعالى ، بل هو أعظم الحدود ، لأن جريمته أشد الجرائم خطرا ، إذ هي